إيران لا تحتاج أن تعلن القنبلة الآن. يكفي أن تصل إلى لحظة يفهم فيها العالم أنها تستطيع صنعها متى أرادت. هنا يبدأ الردع الحقيقي. وهنا تحديداً تبدأ أخطر منطقة في الصراع. إيران لا تفاوض لأنها مطمئنة بالكامل، ولا أمريكا تفاوض لأنها عاجزة بالكامل. الطرفان وصلا إلى منطقة أكثر تعقيد من الحرب وأكثر توتر من السلام. منطقة يصبح فيها الزمن نفسه جزءا من المعركة. إيران تدرك أن القوة النووية لا تبدأ عند امتلاك القنبلة، بل عند الاقتراب من القدرة على إنتاجها خلال وقت قصير. لأن الردع الحقيقي لا يقوم دائماً على السلاح، بل على احتمال السلاح. على إدراك الخصم أن باب التحول ما يزال مفتوحاً. لهذا قد تبدو المفاوضات أحياناً كأنها محاولة لإبطاء الانفجار الخارجي حتى يكتمل البناء الداخلي. فكل جولة تفاوض تمنح طهران شيئاً أثمن من المال والعقوبات. تمنحها الوقت. والوقت داخل المشاريع النووية ليس مدة محايدة، هيا مادة استراتيجية تتحول تدريجياً إلى معرفة، وبنية تحتية، وخبرة، وقدرة على الاقتراب من نقطة الاختناق. وأمريكا تفهم ذلك جيداً. لهذا لا تخشى فقط القنبلة الإيرانية، بل تخشى لحظة تصبح فيها إيران قادرة على القفز نحوها متى أرادت. لأن الدولة التي تصل إلى حافة القدرة النووية تتحول إلى كيان يصعب كسره دون تكلفة هائلة. المشكلة أن كل طرف يفاوض بعقل مختلف. إيران تفاوض بعقل البقاء الطويل. وأمريكا تفاوض بعقل إدارة التوازن. الأولى تريد ضمان عدم خنقها مستقبلاً. والثانية تريد منع ولادة قوة يصعب احتواؤها لاحقاً. لهذا تبدو المفاوضات بطيئة ومتناقضة. لأنها ليست بحث عن ثقة مفقودة فقط، بل محاولة لتنظيم الخوف المتبادل دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.
