لم يكن صعود دونالد ترامب إلى السلطة حدثًا سياسيًا عاديًا في تاريخ الولايات المتحدة، بل شكّل نقطة تحول في طريقة تعاملها مع العالم. فبين خطاب “أمريكا أولًا” وقراراته المثيرة للجدل، برز سؤال جوهري: هل ساهمت سياسات ترامب في تمهيد الطريق أمام الصين لقيادة العالم؟
منذ نهاية الحرب الباردة، لعبت الولايات المتحدة دور القائد العالمي، معتمدة على شبكة واسعة من التحالفات، أبرزها حلف الناتو، وعلى نفوذ اقتصادي وعسكري لا يُضاهى. لكن مع وصول ترامب، بدأ هذا النموذج يتصدع. لم يعد الحلفاء شركاء استراتيجيين بقدر ما أصبحوا، في خطابه، عبئًا ماليًا يجب أن يدفع ثمن الحماية.
هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في اللهجة، بل انعكس على أرض الواقع. فقد شهدت العلاقات مع الحلفاء توترًا غير مسبوق، وبدأت الثقة في القيادة الأمريكية تتآكل. في المقابل، استغلت الصين هذا الفراغ بهدوء، معتمدة على استثمارات ضخمة ومبادرات اقتصادية عابرة للقارات، لتوسيع نفوذها دون صدام مباشر.
اقتصاديًا، خاض ترامب حربًا تجارية شرسة مع الصين، فرض خلالها رسومًا جمركية بهدف حماية الصناعة الأمريكية. غير أن هذه المواجهة، بدل أن تُضعف الصين بشكل حاسم، ساهمت في إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، ودفعت بكين إلى تسريع استقلالها التكنولوجي وتعزيز أسواقها البديلة. وهنا تكمن المفارقة: محاولة كبح الصين قد تكون سرعت من صعودها.
سياسيًا، أدى الانكفاء الأمريكي النسبي إلى فتح المجال أمام قوى أخرى لملء الفراغ. لم تعد القيادة العالمية حكرًا على واشنطن، بل أصبحت ساحة تنافس مفتوحة، تتقدم فيها الصين بخطى ثابتة، مستفيدة من استقرار استراتيجيتها مقارنة بالتقلبات الأمريكية.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال هذا التحول في شخص ترامب وحده. فصعود الصين بدأ قبل ذلك بسنوات، مدفوعًا بنمو اقتصادي هائل واستثمارات استراتيجية طويلة المدى. لكن ما فعله ترامب هو تسريع هذا المسار، عبر إضعاف بعض أدوات النفوذ الأمريكي التقليدية، دون بناء بدائل فعالة.
في النهاية، لا يبدو أن العالم يتجه نحو هيمنة صينية مطلقة، ولا إلى استمرار الهيمنة الأمريكية كما كانت. بل نحن أمام نظام دولي جديد، متعدد الأقطاب، تتقاسم فيه القوى الكبرى النفوذ. وفي هذا السياق، يمكن القول إن سياسات ترامب لم تسلّم العالم للصين بشكل مباشر، لكنها ساهمت في إعادة رسم موازين القوة، بطريقة قد تجعل بكين أحد أبرز المستفيدين.