في عالم العملات الرقمية المتقلب، شهد السوق مؤخرًا تحولًا دراماتيكيًا يعكس تدهورًا في معنويات المستثمرين. خلال الأسبوع الثاني على التوالي، سجلت منتجات الاستثمار في الأصول الرقمية (ETP) تدفقات خارجة بلغت 1.7 مليار دولار، مما أدى إلى محو جميع المكاسب التي تحققت في عام 2026 حتى الآن. هذا الانسحاب الجماعي دفع التدفقات السنوية العالمية إلى المنطقة السلبية بقيمة سالبة تصل إلى 1 مليار دولار، وفقًا لتقرير صادر عن شركة CoinShares في 2 فبراير 2026. يأتي هذا في ظل عاصفة من الضغوط الاقتصادية والجيوسياسية التي تهدد بإعادة تشكيل مستقبل السوق. في هذه المقالة، سنستعرض التفاصيل الكاملة لهذه التطورات، أسبابها، تأثيراتها، وما يمكن توقعه في المستقبل.
## الأسباب الرئيسية وراء التدفقات الخارجة
يُعزى هذا البيع الواسع النطاق إلى ثلاثة عوامل رئيسية تشكل "عاصفة مثالية" للأصول عالية المخاطر مثل العملات الرقمية:
1. تعيين رئيس متشدد للاحتياطي الفيدرالي: أدى تعيين رئيس جديد للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، الذي يتبنى موقفًا متشددًا (hawkish) تجاه السياسة النقدية، إلى تغيير جذري في التوقعات. انخفضت احتمالات خفض أسعار الفائدة في المدى القريب، مما أثر سلبًا على الاستثمارات في الأصول المحفوفة بالمخاطر. المستثمرون الذين كانوا يعتمدون على سياسات نقدية ميسرة وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يفضل الاستثمار في الأصول الآمنة مثل السندات الحكومية.
2. تصفية مراكز الحيتان: استمرت الحسابات الكبيرة، المعروفة بـ"الحيتان" في سوق الكريبتو، في تصفية مراكزها المتراكمة على مدى السنوات الأربع الماضية. هذا التصفية أضاف ضغطًا هائلاً على العرض في أسواق هشة بالفعل، مما أدى إلى انخفاض الأسعار وزيادة التقلبات. هذه الحيتان، التي تمتلك كميات هائلة من العملات مثل البيتكوين والإيثريوم، غالبًا ما تكون مؤثرة في تحريك السوق، وانسحابها يعكس عدم ثقة متزايدة.
3. تصاعد التوترات الجيوسياسية: في عدة مناطق حول العالم، ازدادت التوترات السياسية والعسكرية، مما هز شهية المستثمرين للمخاطر. من النزاعات في الشرق الأوسط إلى التوترات التجارية بين القوى الكبرى، دفع هذا المناخ رؤوس الأموال نحو الملاذات الآمنة مثل الذهب والدولار الأمريكي. سوق الكريبتو، الذي يُعتبر تقليديًا ملاذًا بديلًا، لم يتمكن من الصمود أمام هذه الفوضى، حيث يعتمد على الاستقرار العالمي لجذب الاستثمارات.
هذه العوامل الثلاثة ليست منفصلة، بل تتفاعل مع بعضها البعض، مما يعزز من تأثيرها السلبي على السوق.
## التوزيع الجغرافي للتدفقات الخارجة
كشف التقرير عن توزيع جغرافي واضح للتدفقات الخارجة، مع تركيز الخسائر في مناطق معينة:
- الولايات المتحدة: سجلت أكبر التدفقات الخارجة بقيمة 1.65 مليار دولار، وهو ما يعكس تأثر السوق الأمريكي بالسياسات النقدية المحلية والتوترات الجيوسياسية العالمية.
- كندا: بلغت التدفقات الخارجة 37.3 مليون دولار، مما يشير إلى تأثر المنطقة بتداعيات السياسات الأمريكية المجاورة.
- السويد: سجلت 18.9 مليون دولار، مع تركيز على الدول الإسكندنافية التي كانت سابقًا من أكثر المناطق تبنيًا للعملات الرقمية.
- الاستثناءات: في المقابل، شهدت سويسرا تدفقات داخلة بقيمة 11 مليون دولار، وألمانيا 4.3 مليون دولار. ومع ذلك، تبقى هذه الأرقام ضئيلة مقارنة بالخروج العام.
يبرز هذا التوزيع أن التشاؤم مركز في أمريكا الشمالية والدول الإسكندنافية، حيث كانت المؤسسات أكثر نشاطًا في الاستثمار سابقًا.
## تأثير على العملات الرقمية الرئيسية
لم يقتصر التأثير على التدفقات العامة، بل امتد إلى العملات الفردية:
- البيتكوين: امتصت أكبر الخسائر بقيمة 1.32 مليار دولار، مع تحول المستثمرين من التعرض الطويل إلى استراتيجيات دفاعية.
- الإيثريوم: غادرت 308 ملايين دولار، مما يعكس ضعف الثقة في الشبكات الذكية.
- عملات أخرى: لم تنجو XRP من الانهيار بسجل خسائر 43.7 مليون دولار، بينما سجلت Solana 31.7 مليون دولار. هذا يدل على انتشار المعنويات السلبية عبر السوق بأكمله.
بالإضافة إلى ذلك، زادت المراكز القصيرة على البيتكوين بقيمة 14.5 مليون دولار، مع نمو الرهانات الهابطة بنسبة 8.1% في الأصول المدارة منذ بداية العام. هذا يشير إلى توقع المزيد من الانخفاضات.
## الآليات الفنية وراء التدفقات
تدفقات منتجات الاستثمار المتداولة (ETP) ليست مجرد أرقام، بل تعكس آليات السوق الأساسية. في الولايات المتحدة، تعمل صناديق ETF الفورية بنظام إنشاء وتصفية نقدي فقط، مما يجبر الصناديق على بيع الأصول الأساسية مقابل النقد عند التدفقات الخارجة الكبيرة. هذا يمكن أن يوسع الفروقات السعرية ويزيد من التقلبات، مما يخلق حلقات تغذية راجعة سلبية.
انكمشت إجمالي الأصول المدارة بـ73 مليار دولار منذ ذروة أكتوبر 2025، مما يكشف عن هشاشة الثقة المؤسسية. أفادت Glassnode أن تدفقات صناديق البيتكوين استقرت قرب الصفر في المتوسط المتحرك لـ30 يومًا بحلول أواخر يناير 2026، لكن الطلب الجديد ظل حذرًا.
## التباين مع أسواق أخرى
في الوقت نفسه، سجلت منتجات المعادن الثمينة المرمزة تدفقات داخلة بقيمة 15.5 مليون دولار، مستفيدة من زيادة الاهتمام بهذه الأدوات الهجينة. هذا التباين يبرز تحول رؤوس الأموال من الأصول الرقمية المتقلبة نحو السلع المرمزة، رغم الضغط على أسعار الكريبتو التقليدية.
## التوقعات المستقبلية والتحديات
يمثل التحول من تدفقات إيجابية إلى سلبية نقطة تحول نفسية للمستثمرين. حذرت Glassnode من أن الفشل في استعادة التدفقات الداخلة المستمرة يجعل البيتكوين عرضة لتجميع مطول. بدون عودة الطلب عبر قنوات ETF، يواجه السوق تحديًا هيكليًا في الحفاظ على الحركات الصاعدة.
التحدي المقبل هو إعادة بناء الثقة المؤسسية من خلال تدفقات داخلة مستدامة. قد يساعد تحسن الظروف الجيوسياسية أو تغييرات في السياسة النقدية على عكس الاتجاه، لكن حتى الآن، يبدو السوق في مرحلة تجميع مع ضعف العروض الهيكلية واختبار مستويات الدعم السفلى.
## الخاتمة
تشير التدفقات الخارجة البالغة 1.7 مليار دولار إلى أزمة ثقة عميقة في سوق العملات الرقمية، مدفوعة بضغوط اقتصادية وجيوسياسية. مع ذلك، يظل السوق مرنًا، وقد يشهد انتعاشًا إذا تحسنت الظروف الكلية. ينصح المستثمرون بالحذر والتنويع، مع مراقبة التطورات عن كثب. في النهاية، يعتمد مستقبل الكريبتو على القدرة على التكيف مع هذه التحديات المتزايدة.