كنا في مساءٍ هادئ نركب أمواج الأرقام، نغوص في شيفراتها كأنها لعبة، ونحوّل تقلّبات السوق إلى قصص نبتسم لها، كأنها مزاح عابر من أقدار لا تُؤخذ بجدية. في البث المباشر، كنا نقاطًا متفرقة اكتشفت فجأة أنها تنتمي إلى لوحة واحدة؛ نُضيء لبعضنا، ونخفف عن بعضنا صخب الشموع وتقلباتها، فننجو قليلًا من وحدة هذا العالم البارد.
كان بيننا شيء خفيف يشبه طفولة متأخرة؛ مزاح بلا أذى، وضحك ينسينا أننا مجرد أرقام عابرة في فضاء رقمي لا يرحم.
لكن شيئًا ما تغيّر…
تحوّل المكان الذي جمعنا إلى ساحة تنافس، وصارت الكلمات تُقال لإثبات التفوق لا للمشاركة. ذابت “نحن” بهدوء، وبرزت “أنا” بصوت أعلى. لم يعد الحوار تبادلًا، بل صار مواجهة. ومع هذا التحول، تسللت الأصوات المسمومة، تحمل همسات الشك وتزرع سوء الظن، حتى تغيّر طعم المكان كله.
لماذا يحدث هذا دائمًا؟
هل لأن الجمال حين يجتمع حوله الناس، يتحوّل بسهولة إلى ميدان مقارنة؟
هل لأن القرب يكشف فينا رغبة خفية في أن نكون الأفضل، لا فقط أن نكون معًا؟
أم لأن النجاح في الأرقام أسهل بكثير من النجاح في الحفاظ على نقاء القلوب؟
ربما لأن كل واحد فينا، دون أن يشعر، أراد أن يُثبت وجوده… حتى لو خسر في الطريق بساطة البدايات.
الغريب أننا جئنا جميعًا نبحث عن الشيء نفسه: لحظة فهم، أو ضحكة صادقة، أو شعور بأننا لسنا وحدنا… ثم ضاع ذلك بين رغبتنا في التفوق.
ألم يكن الأجدر بنا أن نفهم أن الفوز الحقيقي ليس أن نسبق بعضنا، بل أن نغادر ونحن نحمل في داخلنا أثرًا طيبًا؟
ألم يكن الاختلاف مساحة للتكامل، لا سببًا للخصام؟
ربما المشكلة أننا نسينا سر جمال ذلك البث… لم يكن في المهارة، ولا في سرعة الرد، بل في كوننا معًا، ببساطة.
الآن، حين أسترجع تلك الأيام، لا أحزن على الأشخاص بقدر ما أحزن على ذلك الإحساس النقي الذي مرّ بيننا ولم نُحسن الاحتفاظ به.
لعلنا نلتقي يومًا من جديد… لكن هذه المرة، نعود كما كنا:
أناسًا يتشاركون الطريق، لا يتسابقون عليه.
